فصل: بيان أخلاق المتواضعين ومجامع ما يظهر فيه أثر التواضع والتكبر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إحياء علوم الدين **


كتاب ذم الكبر والعجب

وهو الكتاب التاسع من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الخالق البارئ المصور العزيز الجبار المتكبر العلي الذي لا يضعه عن مجده واضع الجبار الذي كل جبار له ذليل خاضع وكل متكبر في جناب عزه مسكين متواضع فهو القهار الذي لا يدفعه عن مراده دافع الغني الذي ليس له شريك ولا منازع القادر الذي بهر أبصار الخلائق جلاله وبهاؤه وقهر العرش المجيد استواؤه واستعلاؤه واستيلاؤه وحصر ألسن الأنبياء وصفه وثناؤه وارتفع عن حد قدرتهم إحصاؤه واستقصاؤه فاعترف بالعجز عن وصف كنه جلاله ملائكته وأنبياؤه وكسر ظهر الأكاسرة عزه وعلاؤه وقصر أيدي القياصرة عظمته وكبرياؤه فالعظمة إزاره والكبرياء رداؤه ومن نازعه فيهما قصمه بداء الموت فأعجزه دواؤه جل جلاله وتقدست أسماؤه والصلاة على محمد الذي أنزل عليه النور المنتشر ضياؤه حتى أشرقت بنوره أكناف العالم وأرجاؤه وعلى آله وأصحابه الذين هم أحباء الله وأولياؤه وخيرته أما بعد‏:‏ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ قال الله تعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمته وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ثلاث مهلكات‏:‏ شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه فالكبر والعجب داءان مهلكان والمتكبر والمعجب سقيمان مريضان وهما عند الله ممقوتان بغيضان‏.‏

وإذا كان القصد في هذا الربع من كتاب إحياء علوم الدين شرح المهلكات وجب إيضاح الكبر والعجب فإنهما من قبائح المرديات‏.‏

ونحن نستقصي بيانهما من الكتاب في شطرين‏:‏ شطر في الكبر وشطر في العجب‏.‏

الشطر الأول من الكتاب‏:‏ في الكبر وفيه بيان ذم الكبر وبيان ذم الاختيال وبيان فضيلة التواضع وبيان حقيقة التكبر وآفته وبيان من يتكبر عليه ودرجات التكبر وبيان ما به التكبر وبيان البواعث على التكبر وبيان أخلاق المتواضعين وما فيه يظهر الكبر وبيان علاج الكبر‏.‏

وبيان امتحان النفس في خلق الكبر وبيان المحمود من خلق التواضع والمذموم منه‏.‏

بيان ذم الكبر

قد ذم الله الكبر في مواضع من كتابه وذم كل جبار متكبر فقال تعالى ‏"‏ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ‏"‏ وقال عز وجل ‏"‏ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ إنه لا يحب المستكبرين ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ‏"‏ وذم الكبر في القرآن كثير وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان وقال أبو هريرة رضي الله عنه‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ يقول الله تعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنم ولا أبالي وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال‏:‏ التقى عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر على الصفا فتواقفا فمضى ابن عمرو وأقام ابن عمر يبكي فقالوا ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن فقال‏:‏ هذا - يعني عبد الله بن عمرو - زعم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏ من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر أكبه الله في النار على وجهه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم من العذاب وقال سليمان بن داود عليهما السلام يوماً - للطير والإنس والجن والبهائم‏:‏ اخرجوا فخرجوا في مائتي ألف من الإنس ومائتي ألف من الجن فرفع حتى سمع زجل الملائكة بالتسبيح في السموات ثم خفض حتى مست أقدامه البحر فسمع صوتاً‏:‏ لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر لخسفت به أبعد مما رفعته‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ يخرج من النار عنق له أذنان تسمعان وعينان تبصران ولسان ينطق يقول‏:‏ وكلت بثلاثة‏:‏ بكل جبار عنيد وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر وبالمصورين وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا يدخل الجنة بخيل ولا جبار ولا سيئ الملكة وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ تحاجت الجنة والنار فقالت النار‏:‏ أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة‏:‏ ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقاطهم وعجزتهم فقال الله للجنة‏:‏ إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار‏:‏ إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسى الجبار الأعلى بئس العبد عبد تجبر واختال ونسى الكبير المتعال بئس العبد عبد غفل وسها ونسى المقابر والبلى بئس العبد عبد عتا وبغى ونسى المبدأ والمنتهى وعن ثابت أنه قال‏:‏ بلغنا أنه قيل يا رسول الله ما أعظم كبر فلان‏!‏ فقال ‏"‏ أليس بعده الموت وقال عبد الله بن عمرو‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ إن نوحاً عليه السلام لما حضرته الوفاة دعا ابنيه وقال‏:‏ إني آمركما باثنتين وأنهاكما عن اثنتين أنهاكما عن الشرك والكبر وآمركما بلا إله إلا الله‏.‏

فإن السموات والأرضين وما فيهن لو وضعت في كفة الميزان ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجح منهما ولو أن السموات والأرضين وما فيهن كانتا حلقة فوضعت لا إله إلا الله عليها لقصمتها وآمركما بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء قال المسيح عليه السلام‏:‏ طوبى لمن علمه الله كتابه ثم لم يمت جباراً‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع وأهل الجنة الضعفاء المقلون وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إن أحبكم إلينا وأقربكم منا في الآخرة أحاسنكم أخلاقاً وإن أبغضكم إلينا وأبعدكم منا الثرثارون المتشدقون المتفيهقون ‏"‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون المتكبرون وقال صلى الله عليه وآله وسلم ‏"‏ يحشر المتكبرون يوم القيامة في مثل صور الذر تطؤهم الناس ذراً في مثل صور الرجال يعلوهم كل شيء من الصغار ثم يساقون إلى سجن في جهنم يقال له بولس يعلوهم نار الأنيار يسقون من طين الخبال عصارة أهل النار وقال أبو هريرة‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صور الذر تطؤهم الناس لهوانهم على الله تعالى وعن محمد بن واسع قال‏:‏ دخلت على بلال بن أبي بردة فقلت له يا بلال إن أباك حدثني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏"‏ إن في جهنم وادياً يقال له هبهب حق على الله أن يسكنه كل جبار فإياك يا بلال أن تكون ممن يسكنه وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إن في النار قصراً يجعل فيه المتكبرون ويطبق عليهم وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ اللهم إني أعوذ بك من نفخة الكبرياء وقال ‏"‏ من فارق الآثار‏:‏ قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه‏:‏ لا يحقرن أحد أحداً من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير‏.‏

وقال وهب‏:‏ لما خلق الله جنة عدن نظر إليها فقال أنت حرام على كل متكبر‏.‏

وكان الأحنف بن قيس يجلس مع مصعب بن الزبير على سريره فجاء يوماً ومصعب ماد رجليه فلم يقبضهما وقعد الأحنف فزحمه بعض الزحمة فرأى أثر ذلك في وجهه فقال‏:‏ عجباً لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين‏.‏

وقال الحسن‏:‏ العجب من ابن آدم يغسل الخرء بيده كل يوم مرة أو مرتين ثم يعارض جبار السموات‏.‏

وقد قيل في ‏"‏ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ‏"‏ هو سبيل الغائض والبول‏.‏

وقد قال محمد بن الحسين بن علي‏:‏ ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر قط إلا نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك قل أو كثر‏.‏

وسئل سليمان عن السيئة التي لا تنفع معها حسنة فقال‏:‏ الكبر وقال النعمان بن بشير - على المنبر - إن للشيطان مصالي وفخوخاً وإن من مصالي الشيطان وفخوخه البطر بأنعم الله والفخر بإعطاء الله والكبر على عباد الله واتباع الهوى في غير ذات الله‏.‏

نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه‏.‏

بيان ذل الاختيال وإظهار آثار الكبر في المشي وجر الثياب

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا ينظر الله إلى رجل يجر إزاره بطراً وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ بينما رجل يتبختر في بردته إذ أعجبته نفسه فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة ‏"‏ وقال زيد بن أسلم‏:‏ دخلت على ابن عمر فمر به عبد الله ابن واقد وعليه ثوب جديد فسمعته يقول‏:‏ أي بني ارفع إزارك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏ لا ينظر الله إلى من جر إزاره خيلاء وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوماً على كفه ووضع أصبعه عليه وقال ‏"‏ يقول الله تعالى‏:‏ ابن آدم أتعجزتي وقد خلقتك من مثل هذه‏!‏ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد جمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق‏!‏ وأني أوان الصدقة وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم سلط الله بعضهم على بعض قال ابن الأعرابي‏:‏ هي مشية فيها اختيال‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقى الله وهو عليه غضبان‏.‏

الآثار‏:‏ عن أبي بكر الهذلي قال‏:‏ بينما نحن مع الحسن إذ مر علينا ابن الأهثم يريد المقصورة وعليه جباب خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه وانفرج عنها قباؤه وهو يمشي يتبختر إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال‏:‏ أف‏.‏

‏.‏

أف‏.‏

‏.‏

شامخ بأنفه ثاني عطفه مصعر خده ينظر في عطفيه أي حميق أنت تنظر في عطفيك في نعم غير مشكورة ولا مذكورة غير المأخوذ بأمر الله فيها ولا المؤدي حتى الله منها والله أن يمشي أحد طبيعته يتخلج تخلق المجنون في كل عضو من أعضائه لله نعمة وللشيطان به لفتة فسمع ابن الأهثم فرجع يعتذر إليه فقال‏:‏ لا تعتذر إلي وتب إلى ربك أما سمعت قول الله تعالى ‏"‏ ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولت تبلغ الجبال طولاً ‏"‏ ومر بالحسن شاب عليه بزة له حسنة فدعاه فقال له‏:‏ ابن آدم معجب بشبابه محب لشمائله كأن القبر قد وارى بدنك وكأنك قد لاقيت عملك ويحك‏!‏ داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم‏.‏

وروى أن عمربن عبد العزيز حج قبل أن يستخلف فنظر إليه طاوس وهو يختال في مشيته فغمز جنبه بأصبعه ثم قال‏:‏ ليست هذه مشية من في بطنه خراء فقال عمر كالمعتذر‏:‏ يا عم لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها ورأى محمد

بن واسع ولده يختال فدعاه وقال‏:‏ أتدري من أنت أما أمك فأشتريتها بمائتي درهم وأما أبوك فلا أكثر الله في المسلمين مثله‏!‏ ورأى ابن عمر رجلاً يجر إزاره فقال‏:‏ أن للشيطان إخواناً - كررها مرتين أو ثلاثا ً - ويروى أن مطرف بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب وهو يتبختر في جبة خز فقال‏:‏ يا عبد الله هذه مشية يبغضها الله ورسوله فقال له المهلب‏:‏ أما تعرفني فقال بلى أعرفك أولك نطفة مذرة وآخرتك جيفة قذرة وأنت بين ذلك تحمل العذرة‏!‏ فمضى المهلب وترك مشيته تلك‏.‏

وقال مجاهد في قوله تعالى ‏"‏ ثم ذهب إلى أهله يتمطى ‏"‏ أي يتبختر وإذ قد ذكرنا ذم الكبر والاختيال فلنذكر فضيلة التواضع والله تعالى أعلم‏.‏

بيان فضيلة التواضع

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة يمسكانه بها فإن هو رفع نفسه جبذاها ثم قالا اللهم ضعه وإن وضع نفسه قالا اللهم ارفعه وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ طوبى لمن تواضع في غير مسكنة وأنفق مالاً جمعه في غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة وعن أبي سلمة المديني عن أبيه عن جده قال ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا بقباء وكان صائماً فأتيناه عند إفطاره بقدح من لبن وجعلنا فيه شيئاً من عسل فلما رفعه وذاقه وجد حلاوة العسل فقال ‏"‏ ما هذا ‏"‏ قلنا يا رسول الله جعلنا فيه شيئاً من عسل فوضعه وقال ‏"‏ أما إني لا أحرمه ومن تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله ومن اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله ومن أكثر ذكر الله أحبه الله وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في نفر من أصحابه في بيته يأكلون فقام سائل على الباب وبه زمانة يتكره منها فأذن له فلما دخل أجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذه ثم قال له ‏"‏ اطعم ‏"‏ فكأن رجلاً من قريش اشمأز منه وتكره فما مات ذلك الرجل حتى كانت به زمانة مثلها وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ خيرني ربي بين أمرين أن أكون عبداً رسولاً أو ملكاً نبياً فلم أدر أيهما أختار وكان صفي من الملائكة جبريل فرفعت رأسي إليه فقال‏:‏ تواضع لربك فقلت عبداً رسولاً وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام‏:‏ إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتعاظم على خلقي وألزم قلبه خوفي وقطع نهاره بذكري وكف نفسه عن الشهوات من أجلي وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ الكرم التقوى والشرف التواضع واليقين الغنى وقال المسيح عليه السلام‏:‏ طوبى للمتواضعين في الدنيا هم أصحاب المنابر يوم القيامة طوبى للمصلحين بين الناس في الدنيا هم الذين يرثون الفردوس يوم القيامة طوبى للمطهرة قلوبهم في الدنيا هم الذين ينظرون إلى الله تعالى يوم القيامة‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ إذا هدى الله عبداً للإسلام وحسن صورته وجعله في موضع غير شائن له ورزقه مع ذلك تواضعاً فذلك من صفوة الله وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أربع لا يعطيهم الله إلا من أحب‏:‏ الصمت وهو أول العبادة والتوكل على الله والتواضع والزهد في الدنيا وقال ابن عباس‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا تواضع العبد رفعه الله إلى السماء السابعة وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرحمكم الله ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم فجاء رجل أسود به جدري قد تقشر فجعل لا يجلس إلى أحد إلا قام من جنبه فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إنه ليعجبني أن يحمل الرجل الشيء في يده يكون مهنة لأهله يدفع به الكبر عن نفسه وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوماً ‏"‏ مالي لا أرى عليكم حلاوة العبادة قالوا‏:‏ وما حلاوة العبادة قال‏:‏ التواضع وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا رأيتم المتواضعين من أمتي فتواضعوا لهم وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم فإن ذلك مذلة لهم وصغار‏.‏

الآثار‏:‏ قال عمر رضي الله عنه‏:‏ إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته وقال انتعش رفعك الله وإذا تكبر وعدا طوره رهصه الله في الأرض وقال اخسأ خسأك الله فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس حقير حتى إنه لأحقر عندهم من الخنزير‏.‏

وقال جرير بن عبد الله‏:‏ انتهيت مرة إلى شجرة تحتها رجل نائم قد استظل بنطع له وقد جاوزت الشمس النطع فسويته عليه ثم إن الرجل استيقظ فإذا هو سلمان الفارسي فذكرت له ما صنعت فقال لي‏:‏ يا جرير تواضع لله في الدنيا فإنه من تواضع لله في الدنيا رفعه الله يوم القيامة يا جرير أتدري ما ظلمة النار يوم القيامة قلت‏:‏ لا قال‏:‏ إنه ظلم الناس بعضهم في الدنيا‏.‏

وقالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ إنكم لتغفلون عن أفضل العبادات التواضع وقال يوسف بن أسباط‏:‏ يجزى قليل الورع من كثير العمل ويجزى قليل التواضع من كثير الاجتهاد‏.‏

وقال الفضيل وقد سئل عن التواضع ما هو فقال‏:‏ أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من صبي قبلته ولو سمعته من أجهل الناس قبلته‏.‏

وقال ابن المبارك‏:‏ رأس التواضع أن تضع نفسك عند من دونك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس لك بدنياك عليه فضل وأن ترفع نفسك عمن هو فوقك في الدنيا حتى تعلمه أنه ليس له بدنياه عليك فضل‏.‏

وقال قتادة‏:‏ من أعطى مالاً أو جمالاً أو ثياباً أو علماً ثم لم يتواضع فيه كان عليه وبالاً يوم القيامة‏.‏

وقيل أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام‏:‏ إذا أنعمت عليك بنعمة فاستقبلها بالاستكانة أتممها عليك‏.‏

وقال كعب‏:‏ ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع بها درجة في الآخرة وما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها ولم يتواضع بها لله إلا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقاً من النار يعذبه إن شاء الله أو يتجاوز عنه‏.‏

وقيل لعبد الملك بن مروان‏:‏ أي الرجال أفضل قال‏:‏ من تواضع عن قدرة وزهد عن رغبة وترك النصرة عن قوة‏.‏

ودخل ابن السماك على هارون فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إن تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك فقال‏:‏ ما أحسن ما قلت‏!‏ فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إن امرأ أتاه الله جمالاً في خلقته وموضعاً في حسبه وبسط له في ذات يده فعف في جماله وواسى من ماله وتوضع في حسبه كتب في ديوان الله من خالص أولياء الله فدعا هارون بدواة وقرطاس وكتبه بيده‏.‏

وكان سليمان بن داود عليهما السلام إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف حتى يجيء إلى المساكين فيقعد معهم ويقول‏:‏ مسكين مع مساكين‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ كما تكره أن يراك الأغنياء في الثياب الدون فكذلك فاكره أن يراك الفقراء في الثياب المرتفعة‏.‏

روي أنه خرج يونس وأيوب والحسن يتذاكرون في التواضع فقال لهم الحسن‏:‏ أتدرون ما التواضع التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلماً إلا رأيت له عليك فضلاً‏.‏

وقال مجاهد‏.‏

إن الله تعالى لما أغرق قوم نوح عليه السلام شمخت الجبال وتطاولت وتواضع الجودي فرفعه الله فوق الجبال وجعل قرار السفينة عليه‏.‏

وقال أبو سليمان‏:‏ إن الله عز وجل اطلع على قلوب الآدميين فلم يجد قلباً أشد تواضعاً من قلب موسى عليه السلام فخصه من بينهم بالكلام‏.‏

وقال يونس بن عبيد وقد انصرف من عرفات‏:‏ لم أشك في الرحمة لولا أني كنت معهم إني أخشى أنهم حرموا بسببي‏.‏

ويقال‏:‏ أرفع ما يكون المؤمن عند الله أوضع ما يكون عند نفسه وأوضع ما يكون عند الله أرفع ما يكون عند نفسه‏.‏

وقال زياد النمري‏:‏ الزاهد بغير تواضع كالشجرة التي لا تثمر‏.‏

وقال مالك بن دينار‏:‏ لو أن منادياً ينادي بباب المسجد ليخرج شركم رجلاً والله ما كان أحد يسبقني إلى الباب إلا رجلاً بفضل قوة أو

سعى قال‏:‏ فلما بلغ ابن المبارك قوله قال‏:‏ بهذا صار مالك مالكاً‏.‏

وقال الفضيل‏:‏ من أحب الرياسة لم يفلح أبداً‏.‏

وقال موسى بن القاسم‏:‏ كانت عندنا زلزلة وريح حمراء فذهبت إلى محمد بن مقاتل فقلت‏:‏ يا أبا عبد الله أنت إمامنا فادع الله عز وجل لنا فبكى ثم قال‏:‏ ليتني لم أكن سبب هلاككم قال‏:‏ فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال‏:‏ إن الله عز وجل رفع عنكم بدعاء محمد بن مقاتل‏.‏

وجاء رجل إلى الشلبي رحمه الله فقال له‏:‏ ما أنت وكان هذا دأبه وعادته فقال‏:‏ أنا النقطة التي تحت الباء فقال له الشلبي‏:‏ أباد الله شاهدك أو تجعل لنفسك موضعاً‏.‏

وقال الشلبي في بعض كلامه‏:‏ ذلي عطل ذل اليهود‏.‏

ويقال‏:‏ من يرى لنفسه قيمة فليس له من التواضع نصيب‏.‏

وعن أبي الفتح بن شخرف قال‏:‏ رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المنام فقلت له يا أبا الحسن عظني فقال لي‏:‏ ما أحسن التواضع بالأغنياء في مجالس الفقراء رغبة منهم في ثواب الله‏!‏ وأحسن من تيه الفقراء على الأغنياء ثقة منهم بالله عز وجل وقال أبو سليمان‏:‏ لا يتواضع العبد حتى يعرف نفسه‏.‏

وقال أبو يزيد‏:‏ ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر فقيل له‏:‏ فمتى يكون متواضعاً قال‏:‏ إذا لم ير لنفسه مقاماً ولا حالاً وتواضع كل إنسان على قدر معرفته بربه عز وجل ومعرفته بنفسه‏.‏

وقال أبو سليمان‏:‏ لو اجتمع الخلق على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ما قدروا عليه‏.‏

وقال عروة بن الورد‏:‏ التواضع أحد مصايدالشرف وكل نعمة محسود عليها صاحبها إلا التواضع‏.‏

وقال يحيى بن خالد

البرمكي‏:‏ الشريف إذا تنسك تواضع والسفيه إذا تنسك تعاظم‏.‏

وقال يحيى بن معاذ‏.‏

التكبر على ذي التكبر عليك بماله تواضع ويقال‏:‏ التواضع في الخلق كلهم حسن وفي الأغنياء أحسن والتكبر في الخلق كلهم قبيح وفي الفقراء أقبح‏.‏

ويقال‏:‏ لا عز إلا لمن تذلل لله عز وجل ولا رفعة إلا لمن تواضع لله عز وجل ولا أمن إلا لمن خاف الله عز وجل ولا ربح إلا لمن ابتاع نفسه من الله عز وجل‏.‏

وقال أبو علي الجوزجاني‏.‏

النفس معجونة بالكبر والحرص والحسد فمن أراد الله تعالى هلاكه منع منه التواضع والنصيحة والقناعة وإذا أراد الله تعالى به خيراً لطف له في ذلك فإذا هاجت في نفسه نار الكبر أدركها التواضع من نصرة الله تعالى وإذا هاجت نار الحسد في نفسه أدركتها النصيحة مع توفيق الله عز وجل وإذا هاجت في نفسه نار الحرص أدركتها القناعة مع عون الله عز وجل‏.‏

وعن الجنيد رحمه الله أنه كان يقول يوم الجمعة في مجلسه لولا أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏"‏ يكون في آخر الزمان زعيم القوم أزدلهم ما تكلمت عليكم‏.‏

وقال الجنيد أيضاً‏:‏ التواضع عند أهل التوحيد تكبر ولعل مراده أن التواضع يثبت نفسه ثم يضعها والموحد لا يثبت نفسه ولا يراها شيئاً حتى يضعها أو يرفعها‏.‏

وعن عمرو بن شيبة قال‏:‏ كنت بمكة بين الصفا والمروة فرأيت رجلاً راكباً بغلة وبين يديه غلمان وإذا هم يعنفون الناس قال‏:‏ ثم عدت بعد حين فدخلت بغداد فكنت على الجسر فإذا أنا برجل حاف حاسر طويل الشعر قال‏:‏ فجعلت أنظر إليه وأتأمله فقال لي‏:‏ مالك تنظر إلي فقلت له‏:‏ شبهتك برجل رأيته بمكة ووصفت له الصفة فقال له‏:‏ أنا ذلك الرجل فقلت‏:‏ ما فعل الله بك فقال إني ترفعت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني الله حيث يترفع الناس‏.‏

وقال المغيرة كنا نهاب إبراهيم النخعي هيبة الأمير وكان يقول إن زماناً صرت فيه فقيه الكوفة لزمان سوء‏.‏

وكان عطاء السلمي إذا سمع صوت الرعد قام وقعد وأخذه بطنه كأنه امرأة ماخض وقال هذا من أجلي يصيبكم لو مات عطاء لاستراح الناس‏.‏

وكان بشر الحافي يقول سلموا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم‏.‏

ودعا رجل لعبد الله بن المبارك فقال أعطاك الله ما ترجوه فقال إن الرجاء يكون بعد المعرفة فأين المعرفة وتفاخرت قريش عند سلمان الفارسي رضي الله عنه يوماً فقال سلمان لكنني خلقت من نطفة قذرة ثم أعود جيفة منتنة ثم أتى الميزان فإن ثقل فأنا كريم وإن خف فأنا لئيم وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجدنا الكرم في التقوى والغنى في اليقين والشرف في التواضع‏.‏

نسأل الله الكريم حسن التوفيق‏.‏

بيان حقيقة الكبر وآفته

اعلم أن الكبر ينقسم إلى باطن وظاهر فالباطن هو خلق في النفس والظاهر هو أعمال تصدر عن الجوارح‏.‏

واسم الكبر بالخلق الباطن أحق وأما الأعمال فإنها ثمرات لذلك الخلق‏.‏

وخلق الكبر موجب للأعمال ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال الكبر وإذا لم يظهر يقال في نفسه كبر‏.‏

فالأصل هو الخلق الذي في النفس وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه فإن الكبر يستدعي متكبراً عليه ومتكبراً به وبه ينفصل الكبر عن العجب - كما سيأتي - فإن العجب لا يستدعي غير المعجب بل لو لم يخلق الإنسان إلا وحده تصور أن يكون معجباً ولا يتصور أن يكون متكبراً إلا أن يكون مع غيره وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال فعند ذلك يكون متكبراً ولا يكفي أن يستعظم نفسه ليكون متكبراً فإنه قد يستعظم نفسه ولكنه يرى غيره أعظم من نفسه أو مثل نفسه فلا يتكبر عليه ولا يكفي أن يستحقر غيره فإنه مع ذلك لو رأى نفسه أحقر لم يتكبر ولو رأى غيره مثل نفسه لم يتكبر بل ينبغي أن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل فيه خلق الكبر لا أن هذه الرؤية تنفي الكبر بل هذه الرؤية وهذه العقيدة تنفخ فيه فيحصل في قلبه اعتداد وهزة وفرح وركون إلى ما اعتقده وعز في نفسه بسبب ذلك فتلك العزة والهزة والركون إلى العقيدة هو خلق الكبر‏.‏

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أعوذ بك من نفخة الكبرياء وكذلك قال عمر أخشى أن تنتفخ حتى تبلغ الثريا للذي استأذنه أن يعظ بعد صلاة الصبح‏.‏

فكأن الإنسان مهما رأى نفسه بهذه العين - وهو الاستعظام - كبر وانتفخ وتعزز‏.‏

فالكبر عبارة عن الحالة الحاصلة في النفس من هذه الاعتقادات وتسمى أيضاً عزة وتعظماً ولذلك قال ابن عباس في قوله تعالى ‏"‏ إن في صدوركم إلا كبر ما هم ببالغيه ‏"‏ قال عظمة لم يبلغوها ففسر الكبر بتلك العظمة‏.‏

ثم هذه العزة تقتضي أعمالاً في الظاهر والباطن هي ثمرات ويسمى ذلك تكبراً فإنه مهما عظم عنده قدره بالإضافة إلى غيره حقر من دونه وازدراه وأقصاه عن نفسه وأبعده وترفع عن مجالسته ومؤاكلته ورأى أن حقه أن يقوم ماثلاً بين يديه إن اشتد كبره فإن كان أشد من ذلك استنكف عن استخدامه ولم يجعله أهلاً للقيام بين يديه ولا بخدمة عتبته فإن كان دون ذلك فأنف من مساواته وتقدم عليه في مضايق الطرق وارتفع عليه في المحافل وانتظر أن يبدأه بالسلام واستبعد تقصيره في قضاء حوائجه وتعجب منه وإن حاج أو ناظر أنف أن يرد عليه وإن وعظ استنكف من القبول وإن وعظ عنف في النصح وإن رد عليه شيء من قوله غضب وإن علم لم يرفق بالمتعلمين واستذلهم وانتهرهم وامتن عليهم واستخدمهم وينظر إلى العامة كأنه ينظر إلى الحمير استجهالاً لهم واستحقاراً‏.‏

والأعمال الصادرة عن خلق الكبر كثيرة وهي أكثر من أن تحصى فلا حاجة إلى تعدادها فإنها مشهورة‏.‏

فهذا هو الكبر وآفته عظيمة وغائلته هائلة وفيه يهلك الخواص من الخلق وقلما ينفك عنه العباد والزهاد والعلماء فضلاً عن عوام الخلق وكيف لا تعظم آفته وقد قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر وإنما صار حجاباً دون الجنة لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة والكبر وعزة النفس يغلق تلك الأبواب كلها لأنه لا يقدر على أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه وفيه شيء من العز ولا يقدر على التواضع وهو رأس أخلاق المتقين وفيه العز ولا يقدر على ترك الحقد وفيه العز ولا يقدر أن يدوم على الصدق وفيه العز ولا يقدر على ترك الغضب وفيه العز ولا يقدر على كظم الغيظ

وفيه العز ولا يقدر على ترك الحسد وفيه العز ولا يقدر على النصح اللطيف وفيه العز ولا يقدر على قبول النصح وفيه العز ولا يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم وفيه العز‏:‏ ولا معنى للتطويل فما من خلق ذميم إلا وصاحب العز والكبر مضطر إليه ليحفظ عزه وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفاً من أن يفوته عزه فمن هذا لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة منه‏.‏

والأخلاق الذميمة متلازمة والبعض منها داع إلى البعض لا محالة‏.‏

وشر أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم وقبول الحق والانقياد له وفيه وردت الآيات التي فيها ذم الكبر والمتكبرين قال الله تعالى ‏"‏ والملائكة باسطو أيديهم ‏"‏ إلى قوله ‏"‏ وكنتم عن آياته تستكبرون ‏"‏ ثم قال ‏"‏ ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ‏"‏ ثم أخبر أن أشد أهل النار عذاباً أشدهم عتياً على الله تعالى فقال ‏"‏ ثم لننزعن من كل شبعة أيهم أشد على الرحمن عتياً ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون ‏"‏ وقال عز وجل ‏"‏ يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ‏"‏ قيل في التفسير‏:‏ سأرفع فهم القرآن عن قلوبهم وفي بعض التفاسير سأحجب قلوبهم عن الملكوت‏.‏

وقال ابن جريج‏:‏ سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها‏.‏

ولذلك قال المسيح عليه السلام‏:‏ إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت على الصفا كذلك الحكمة تعمل في قلب المتواضع ولا تعمل في قلب المتكبر ألا ترون أن من شمخ برأسه إلى السقف شجه ومن طأطأ أظله وأكنه‏.‏

فهذا مثل ضربه للمتكبرين وأنهم كيف يحرمون الحكمة ولذلك ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم جحود الحق في حد الكبر والكشف عن حقيقته وقال ‏"‏ من سفه الحق وغمص الناس ‏.‏

بيان المتكبر عليه ودرجاته وأقسامه وثمرات الكبر فيه

اعلم أن المتكبر عليه هو الله تعالى أو رسله أو سائر خلقه وقد خلق الإنسان ظلوماً جهولاً فتارة يتكبر على الخلق وتارة يتكبر على الخالق فإذن التكبر باعتبار المتكبر عليه ثلاثة أقسام‏:‏ الأول‏:‏ التكبر على الله وذلك هو أفحش أنواع الكبر ولا مثار له إلا الجهل المحض والطغيان مثل ما كان من نمرود فإنه كان يحدث نفسه بأن يقاتل رب السماء وكما يحكى عن جماعة من الجهلة‏.‏

بل ما يحكى عن كل من ادعى الربوبية مثل فرعون وغيره فإنه لتكبره قال‏:‏ أنا ربكم الأعلى إذ استنكف أن يكون عبداً لله ولذلك قال تعالى ‏"‏ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ‏"‏ الآية وقال تعالى ‏"‏ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً ‏"‏‏.‏

القسم الثاني‏:‏ التكبر على الرسل من حيث تعزز النفس وترفعها على الانقياد لبشر مثل سائر الناس وذلك تارة يصرف عن الفكر والاستبصار فيبقى في ظلمة الجهل بكبره فيمتنع عن الانقياد وهو ظان أنه محق فيه وتارة يمتنع مع المعرفة ولكن لا تطاوعه نفسه للإنقياد للحق والتواضع للرسل كما حكى الله قولهم ‏"‏ أنؤمن لبشرين مثلنا ‏"‏ وقولهم ‏"‏ إن أنتم إلا بشر مثلنا ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذا لخاسرون ‏"‏ وقال الذين لا يرجون لقائنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عواً كبيراً‏.‏

وقالوا لولا أنزل عليه ملك ‏"‏ وقال فرعون فيما أخبر الله عنه ‏"‏ أو جاء معه الملائكة مقترنين ‏"‏ وقال الله تعالى ‏"‏ واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق ‏"‏ فتكبر هو على الله وعلى رسله جميعاً‏.‏

قال وهب‏:‏ قال له موسى عليه السلام آمن ولك ملكك قال‏:‏ حتى أشاور هامان فشاور هامان فقال هامان‏:‏ بينما أنت رب يعبد إذ صرت عبد تعبد فاستنكف عن عبودية الله وعن اتباع موسى عليه السلام‏.‏

وقالت قريش فيما أخبر الله تعالى عنهم ‏"‏ لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ‏"‏ قال قتاده‏:‏ عظيم القريتين هو الوليد بن المغيرة وأبو مسعود الثقفي طلبوا من هو أعظم رياسة من النبي صلى الله عليه وسلم

إذ قالوا غلام يتيم كيف بعثه الله إلينا فقال تعالى ‏"‏ أهم يقسمون رحمة ربك ‏"‏ وقال الله تعالى ‏"‏ ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ‏"‏ أي استحقاراً لهم واستبعاداً لتقدمهم‏.‏

وقالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كيف نجلس إليك وعند هؤلاء وأشاروا إلى فقراء المسلمين فازدروهم بأعينهم لفقرهم وتكبروا عن مجالستهم فأنزل الله تعالى ‏"‏ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ‏"‏ إلى قوله ‏"‏ ما عليك من حسابهم ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ثم أخبر الله تعالى عن تعجبهم حين دخلوا جهنم إذ لم يروا الذين ازدروهم فقالوا ‏"‏ ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار ‏"‏ قيل يعنون عماراً وبلالاً وصهيباً والمقداد رضي الله عنهم ثم كان منهم من منعه الكبر عن الفكر والمعرفة فجهل كونه صلى الله عليه وسلم محقاً ومنهم من عرف ومنعه الكبر عن الاعتراف قال الله تعالى مخبراً عنهم ‏"‏ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ‏"‏ وقال ‏"‏ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا ‏"‏ وهذا الكبر قريب من التكبر على الله عز وجل وإن كان دونه ولكنه تكبر على قبول أمر الله والتواضع لرسوله‏.‏

القسم الثالث‏:‏ التكبر على العباد وذلك بأن يستعظم نفسه ويستحقر غيره فتأبى نفسه عن الانقياد لهم وتدعوه إلى الترفع عليهم فيزدريهم ويستصغرهم ويأنف عن مساواتهم وهذا وإن كان دون الأول والثاني فهو أيضاً عظيم من وجهين أحدهما‏:‏ أن الكبر والعز والعظمة والعلاء لا يليق إلا بالملك القادر فأما العبد المملوك الضعيف العاجز الذي لا يقدر على شيء فمن أين يليق بحاله الكبر فمهما تكبر العبد فقد نازع الله تعالى في صفة لا تليق إلا بجلاله ومثاله‏:‏ أن يأخذ الغلام قلنسوة الملك فيضعها على رأسه ويجلس على سريره فما أعظم استحقاقه للمقت وما أعظم تهدفه للخزي والنكال‏!‏ وما أشد استجراءه على مولاه وما أقبح ما تعاطاه‏!‏ وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى ‏"‏ العظمة إزراري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته ‏"‏ أي إنه خاص صفتي ولا يليق إلا بي والمنازع فيه منازع في صفة من صفاتي وإذا كان الكبر على عباده لا يليق إلا به فمن تكبر على عباده فقد جني عليه إذ الذي يسترذل خواص غلمان الملك ويستخدمهم ويترفع عليهم ويستأثر بما حق الملك أن يستأثر به منهم فهو منازع له في بعض أمره وإن لم يبلغ درجته درجة من أراد الجلوس على سريره والاستبداد بملكه فالخلق كلهم عباد الله وله العظمة والكبرياء عليهم فمن تكبر على عبد من عباد الله فقد نازع الله في حقه‏.‏

نعم الفرق بين هذه المنازعة وبين منازعة نمرود وفرعون هو الفرق بين منازعة الملك في استصغار بعض عبيده واستخدامهم وبين منازعته في أصل الملك‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ الذي تعظم به رذيلة الكبر أنه يدعو إلى مخالفة الله تعالى في أوامره لأن المتكبر إذا سمع الحق من عبد من عباد الله استنكف عن قبوله وتشمر لجحده ولذلك ترى المناظرين في مسائل الدين يزعمون أنهم يتباحثون عن أسرار الدين ثم إنهم يتجاحدون تجاحد المتكبرين ومهما اتضح الحق على لسان واحد منهم أنف الآخر من قبوله وتشمر لجحده واحتال لدفعه بما يقدر عليه من التلبيس وذلك من أخلاق الكافرين والمنافقين إذ وصفهم الله تعالى فقال ‏"‏ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ‏"‏ فكل من يناظر للغلبة والإفحام لا ليغتنم الحق إذا ظفر به فقد شاركهم في هذا الخلق وكذلك يحمل ذلك على الأنفة من قبول الوعظ كما قال تعالى ‏"‏ وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ‏"‏ وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قرأها فقال ‏"‏ إنا لله وإنا إليه راجعون ‏"‏ قام رجل يأمر بالمعروف فقتل فقام آخر فقال‏:‏ يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فقتل المتكبر الذي خالفه والذي أمره كبراً وقال ابن مسعود‏:‏ كفى بالرجل إثماً إذا قيل له اتق الله قال‏:‏ عليك نفسك‏!‏ وقال صلى الله عليه وسلم لرجل ‏"‏ كل بيمينك ‏"‏ قال‏:‏ لا أستطيع فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا استطعت ‏"‏ فما منعه إلا كبره قال‏:‏ فما رفعها بعد ذلك أي اعتلت يده‏.‏

فإذن تكبره على الخلق عظيم لأنه سيدعوه إلى التكبر على أمر الله وإنما ضرب إبليس مثلاً لهذا وما حكاه من أحواله إلا ليعتبر به فإنه قال‏:‏ أنا خير منه وهذا الكبر بالنسب لأنه قال‏:‏ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين فحمله ذلك على أن يمتنع من السجود الذي أمره الله تعالى به وكان مبدؤه الكبر على آدم والحسد له فجره ذلك إلى التكبر على أمر الله تعالى فكان ذلك سبب هلاكه أبد الآباد فهذه آفة من آفات الكبر على العباد عظيمة ولذلك شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبر بهاتين الآفتين إذ سأله ثابت بن قيس بن شماس فقال‏:‏ يا رسول الله إني امرؤ قد حبب إلي من الجمال ما ترى أفمن الكبر هو فقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا ولكن الكبر من بطر الحق وغمص الناس وفي حديث آخر ‏"‏ من سفه الحق وقوله ‏"‏ وغمص الناس ‏"‏ أي ازدراهام واستحقرهم وهم عباد الله أمثاله أو أخير منه‏.‏

وهذه الآفة الأولى ‏"‏ وسفه الحق ‏"‏ هو رده وهي الآفة الثانية فكل من رأى أنه خير من أخيه واحتقر أخاه وازدراه ونظر إليه بعين الاستصغار أو رد الحق وهو يعرفه فقد تكبر فيما بينه وبين الخلق ومن أنف من أن يخضع لله تعالى ويتواضع لله بطاعته واتباع رسله فقد تكبر فيما بينه وبين الله تعالى ورسله‏.‏

بيان ما به التكبر اعلم

أنه لا يتكبر إلا متى استعظم نفسه ولا يستعظمها إلا وهو يعتقد لها صفة من صفات الكمال‏.‏

وجماع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي فالديني هو العلم واعمل والدنيوي هو النسب والجمال والقوة والمال وكثرة الأنصار‏.‏

فهذه سبعة أسباب‏.‏

الأول‏:‏ العلم وما أسرع الكبر إلى العلماء‏!‏ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ آفة العلم الخيلاء فلا يلبث العالم أن يتعزز بعزة العلم يستشعر في نفسه جمال العلم وكماله ويستعظم نفسه ويستحقر الناس وينظر إليهم نظره إلى البهائم ويستجهلهم ويتوقع أن يبدءوه بالسلام فإن بدأه واحد منهم بالسلام أو رد عليه ببشر أو قام له أو أجاب له دعوة رأى ذلك صنيعة عنده ويداً عليه يلزمه شكرها واعتقد أنه أكرمهم وفعل بهم ما لا يستحقون من مثله وأنه ينبغي أن يرقوا له ويخدموه شكراً له على صنيعه بل الغالب أنهم يبرونه فلا يبرهم ويزورونه فلا يزورهم ويعودونه فلا يعودهم ويستخدم من خالطه منهم ويستسخره في حوائجه فإن قصر فيه استنكره كأنهم عبيده أو أجراؤه وكأن تعليمه العلم صنيعة منه إليهم ومعروف لديهم واستحقاق حق عليهم هذا فيما يتعلق بالدنيا‏.‏

أما في أمر الآخرة فتكبره عليهم بأن يرى نفسه عند الله تعالى أعلى وأفضل منهم فيخاف عليهم أكثر مما يخاف على نفسه ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم وهذا بأن يسمى جاهلاً أولى من أن يسمى عالماً بل العلم الحقيقي هو الذي يعرف الإنسان به نفسه وربه وخطر الخاتمة وحجة الله على العلماء وعظم خطر العلم فيه - كما سيأتي في طريق معالجة الكبر بالعلم - وهذا العلم يزيد خوفاً وتواضعاً وتخشعاً ويقتضي أن يرى كل الناس خيراً منه لعظم حجة الله عليه بالعلم وتقصيره في القيام بشكر نعمة العلم‏.‏

ولهذا قال أبو الدرداء‏:‏ من ازداد علماً ازداد وجعاً وهو كما قال‏.‏

فإن قلت‏:‏ فما بال بعض الناس يزداد بالعلم كبراً وأمناً فاعلم أن لذلك سببين‏:‏ ‏"‏ أحدهما ‏"‏ أن يكون اشتغاله بما يسمى علماً وليس علماً حقيقياً وإنما العلم الحقيقي ما يعرف به العبد ربه ونفسه وخطر أمره في لقاء الله والحجاب منه وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر والأمن‏.‏

قال الله تعالى ‏"‏ إنما يخشى الله من عباده العلماء ‏"‏ فأما ما وراء ذلك كعلم الطب والحساب واللغة والشعر والنحو وفصل الخصومات وطرق المجادلات فإذا تجرد الإنسان لها حتى امتلأ بها كبراً ونفاقاً وهذه بأن تسمى صناعات أولى من أن تسمى علوماً بل العلم هو معرفة العبودية والربوبية وطريق العبادة وهذه تورث التواضع غالباً‏.‏

السبب الثاني أن يخوض العبد في العلم وهو خبيث الدخلة رديء النفس سيئ الأخلاق فإنه لم يشتغل أولاً بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات ولم يرض نفسه في عبادة ربه فيبقى خبيث الجوهر فإذا خاض في العلم - أي علم كان - صادف العلم من قلبه منزلاً خبيثاً فلم يطب ثمره ولم يظهر في الخير أثره‏.‏

وقد ضرب وهب لهذا مثلاً فقال‏:‏ العلم كالغيث ينزل من السماء حلواً صافياً فتشربه الأشجار بعروقها فتحوله على قدر طعومها فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة فكذلك العلم تحفظه الرجال فتحوله على قدر هممها وأهوائها فيزيد المتكبر كبراً والمتواضع تواضعاً وهذا لأن من كان همته الكبر وهو جاهل فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به فازداد كبراً وإذا كان الرجل خائفاً مع جهله فازداد علماً علم أن الحجة قد تأكدت عليه فيزداد خوفاً وإشفاقاً وذلاً وتواضعاً فالعلم من أعظم ما يتكبر به ولذلك قال تعالى لنبيه عليه السلام ‏"‏ واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ‏"‏ وقال عز وجل ‏"‏ ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ‏"‏ ووصف أولياءه فقال ‏"‏ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ‏"‏ وكذلك قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه العباس رضي الله عنه ‏"‏ يكون قوم يقرؤون القرآن لا يجاور حناجرهم يقولون‏:‏ قد قرأنا القرآن فمن أقرأ منها ومن أعلم منها ‏"‏ ثم التفت إلى أصحابه وقال ‏"‏ أولئك منكم أيها الأمة أولئك هم وقود النار ولذلك قال عمر رضي الله عنه لا تكونوا جبابرة العلماء فلا يفي علمكم بجهلكم‏.‏

ولذلك استأذن تميم الداري عمر رضي الله عنه في القصص فأبى أن يأذن له وقال‏:‏ إنه الذبح واستأذنه رجل كان إمام قوم أنه إذا سلم من صلاته ذكرهم فقال‏:‏ إني أخاف أن تنتفخ حتى تبلغ الثريا‏.‏

وصلى حذيفة بقوم فلما سلم من صلاته قال‏:‏ لتلتمسن إماماً غيري أو لتصلن وحداناً فإني رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل مني‏.‏

فإذا كان مثل حذيفة لا يسلم فكيف يسلم الضعفاء من متأخري هذه الأمة فما أعز على بسيط الأرض عالماً يستحق أن يقال له عالم ثم إنه لا يحركه عز العلم وخيلاؤه فإن وجد ذلك فهو صديق زمانه فلا ينبغي أن يفارق بل يكون النظر عليه عبادة فضلاً عن الاستفادة من أنفاسه وأحواله لو عرفنا ذلك ولو في أقصى الصين لسعينا إليه رجاء أن تشملنا بركته وتسري إلينا سيرته وسجيته وهيهات‏!‏ فأنى يسمح آخر الزمان بمثلهم فهم أرباب الإقبال وأصحاب الدول قد انقرضوا في القرن الأول ومن يليهم بل يعز في زماننا عالم يختلج في نفسه الأسف والحزن على فوات هذه الخصلة فذلك أيضاً إما معدوم وإما عزيز‏.‏

ولولا بشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ‏"‏ سيأتي على الناس زمان من تمسك فيه بعشر ما أنتم عليه نجا لكان جديراً بنا أن نقتحم والعياذ بالله تعالى ورطة اليأس والقنوط مع ما نحن عليه من سوء أعمالنا ومن لنا أيضاً بالتمسك بعشر ما كانوا عليه وليتنا تمسكنا بعشر عشره‏.‏

فنسأل الله تعالى أن يعاملنا بما هو أهله ويستر علينا قبائح أعمالنا كما يقتضيه كرمه وفضله‏.‏

الثاني‏:‏ العمل والعبادة وليس يخلو عن رذيلة العز والكبر واستمالة قلوب الناس الزهاد والعباد ويترشح الكبر منهم في الدين والدنيا‏.‏

أما في الدنيا فهو أنهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى منهم بزيارة غيرهم ويتوقعون قيام الناس بقضاء حوائجهم وتوقيرهم والتوسع لهم في المجالس وذكرهم بالورع والتقوى وتقديمهم على سائر الناس في الحظوظ - إلى جميع ما ذكرناه في حق العلماء - وكأنهم يرون عبادتهم منة على الحق‏.‏

وأما في الدين فهو أن يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجياً وهو الهالك تحقيقاً - مهما رأى ذلك - قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم وإنما قال ذلك لأن هذا القول منه يدل على أنه مزدر بخلق بالله مغتر بالله آمن من مكره غير خائف على سطوته وكيف لا يخاف ويكفيه شراً احتقاره لغيره‏.‏

قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كفى بالمرء شراً أن يحقر أخاه المسلم وكم من الفرق بينه وبين من يحبه الله ويعظمه لعبادته ويستعظمه ويرجوا له ما لا يرجوه لنفسه فالخلق يدركون النجاة بتعظيمهم إياه لله فهم يتقربون إلى الله تعالى بالدنو منه وهو يتمقت إلى الله بالتنزه والتباعد منهم كأنه مترفع عن مجالستهم فما أجدرهم إذ أحبوه لصلاحه أن ينقلهم الله إلى درجته في العمل‏!‏ وما أجدره إذ ازدراهم بعينه أن ينقله الله إلى حد الإهمال‏!‏ كما روي أن رجلاً في بني إسرائيل كان يقال له‏:‏ خليع بني إسرائيل - لكثرة فساده - مر برجل آخر يقال له عابد بني إسرائيل وكان على رأس العابد غمامة تظله فلما مر الخليع به فقالالخليع في نفسه‏:‏ أنا خليع بني إسرائيل وهذا عابد بني إسرائيل فلو جلست إليه لعل الله يرحمه‏!‏ فجلس إليه فقال العابد‏:‏ أنا عابد بني إسرائيل وهذا خليع بني إسرائيل فكيف يجلس إلي فأنف منه وقال له‏:‏ قم عني‏!‏ فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان‏:‏ مرهما فليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد‏.‏

وفي رواية أخرى‏:‏ فتحولت الغمامة إلى رأس الخليع‏.‏

وهذا يعرفك أن الله تعالى إنما يريد من العبيد قلوبهم فالجاهل العاصي إذا تواضع هيبة لله وذل خوفاً منه فقد أطاع الله بقلبه فهو أطوع لله من العالم المتكبر والعابد المعجب‏.‏

وكذلك روي أن رجلاً في بني إسرائيل أتى عابداً من بني إسرائيل فوطئ على رقبته وهو ساجد فقال‏:‏ ارفع فوالله لا يغفر الله لك فأوحى الله إليه أيها المتألي بل أنت لا يغفر الله لك وكذلك قال الحسن‏:‏ وحتى أن صاحب الصوف أشد كبراً من صاحب المطرز الخز أي أن صاحب الخز يذل لصاحب الصوف ويرى الفضل وصاحب الصوف يرى الفضل لنفسه وهذه الآفة أيضاً قلما ينفك عنها كثير من العباد وهو أنه لو استخف به مستخف أو آذاه مؤذ استبعد أن يغفر الله له ولا يشك في أنه صار ممقوتاً عند الله ولو آذى مسلماً آخر لم يستنكر ذلك الاستنكار وذلك لعظم قدر نفسه عنده وهو جهل وجمع بين الكبر والعجب واغترار بالله وقد ينتهي الحمق والغباوة ببعضهم إلى أن يتحدى ويقول‏:‏ سترون ما يجري عليه وإذا أصيب بنكبة زعم أن ذلك من كراماته وأن الله ما أراد به إلا شفاء غليله والانتقام له منه مع أنه يرى طبقات من الكفار يسبون الله ورسوله وعرف جماعة آذوا الأنبياء صلوات الله عليهم فمنهم من قتلهم ومنهم من ضربهم ثم إن الله أمهل أكثرهم ولم يعاقبهم في الدنيا بل ربما أسلم بعضهم فلم يصبه مكروه في الدنيا ولا في الآخرة ثم الجاهل المغرور يظن أنه أكرم على الله من أنبيائه وأنه قد انتقم له بما لا ينتقم لأنبيائه به‏.‏

ولعله في مقت الله بإعجابه وكبره وهو غافل عن هلاك نفسه فهذه عقيدة المغترين‏.‏

وأما الأكياس من العباد فيقولون ما كان يقوله عطاء السلمي حين كان تهب ريح أو تقع عاصفة‏:‏ ما يصيب الناس ما يصيبهم إلا بسببي ولو مات عطاء لتخصلوا‏.‏

وما قاله الآخر بعد انصرافه من عرفات‏:‏ كنت أرجو الرحمة لجميعهم لولا كوني فيهم فانظر إلى الفرق بين الرجلين هذا يتقي الله ظاهراً وباطناً وهو رجل على نفسه مزدر لعمله وسعيه وذاك ربما يضمر من الرياء

والكبر والحسد والغل ما هو ضحكة للشيطان به ثم إنه يمتن على الله بعمله‏.‏

ومن اعتقد جزماً أنه فوق أحد من عباد الله فقد أحبط بجهله جمع عمله فإن الجهل أفحش المعاصي وأعظم شيء يبعد العبد عن الله وحكمه لنفسه بأنه خير من غيره جهل محض وأمن من مكر الله ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ولذلك روي أن رجلاً ذكر بخير للنبي صلى الله عليه وسلم فأقبل ذات يوم فقالوا‏:‏ يا رسول الله هذا الذي ذكرناه لك فقال ‏"‏ إني أرى في وجهه سفعة من الشيطان فسلم ووقف على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أسألك بالله حدثتك نفسك أن ليس في القوم أفضل منك ‏"‏ قال‏:‏ اللهم نعم فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنور النبوة ما استكن في قلبه سفعة في وجهه‏.‏

وهذه آفة لا ينفك عنها أحد من العباد إلا من عصمه الله‏.‏

لكن العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاث درجات‏:‏ الدرجة الأولى أن يكون الكبر مستقراً في قلبه يرى نفسه خيراً منن غيره إلا أنه يجتهد ويتواضع ويفعل فعل من يرى غيره خيراً من نفسه وهذا قد رسخ في قلبه شجرة الكبر ولكنه قطع أغصانها بالكلية‏.‏

الثانية أن يظهر ذلك على أفعاله بالترفع في المجالس والتقدم على الأقران وإظهار الإنكار على من يقصر في حقه وأدنى ذلك في العالم أن يصعر خده للناس كأنه معرض عنهم وفي العابد أن يعبس وجهه ويقطب جبينه كأنه منزه عن الناس مستقذر لهم أو غضبان عليهم وليم يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى تقطب ولا في الوجه حتى يعبس ولا في الخد حتى يصعر ولا في الرقبة حتى تطأطأ ولا في الذيل حتى يضم إنما الورع في القلوب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ التقوى ههنا ‏"‏ وأشار إلى صدره فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أكرم الخلق وأتقاهم وكان أوسعهم خلقاً وأكثرهم بشراً وتبسماً وانبساطاً ولذلك قال الحارث بن جزء الزبيدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يعجبني من القراء كل طليق مضحاك فأما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس يمن عليك بعلمه فلا أكثر الله في المسلمين مثله‏.‏

ولو كان الله سبحانه وتعالى يرضى لك ذلك لما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ‏"‏ واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ‏"‏ وهؤلاء الذين يظهر أثر الكبر على شمائلهم فأحوالهم أخف حالاً ممن هو في الرتبة الثالثة وهو الذي يظهر الكبر على لسانه حتى يدعوه إلى الدعوى والمفاخرة والمباهاة وتزكية النفس وحكايات الأحوال والمقامات والتشمر لغلبة الغير في العلم والعمل‏.‏

أما العابد فإنه يقول في معرض التفاخر لغيره من العباد‏.‏

من هو وما عمله ومن أين زهده فيطول اللسان فيهم بالتنقص ثم يثني على نفسه ويقول‏:‏ إني لم أفطر منذ كذا وكذا ولا أنام الليل وأختم القرآن في كل يوم وفلان ينام سحراً ولا يكثر القراءة وما يجري مجراه وقد يزكي نفسه ضمناً فيقول‏:‏ قصدني فلان بسوء فهلك ولده وأخذ ماله أو مرض أو ما يجره مجراه يدعي الكرامة لنفسه‏.‏

وأما مباهاته‏:‏ فهو أنه لو وقع مع قوم يصلون بالليل قام وصلى أكثر مما كان يصلي وإن كانوا يصبرون على الجوع فيكلف نفسه الصبر ليغلبهم ويظهر له قوته وعجزهم وكذلك يشتد في العبادة خوفاً من أن يقال غيره أعبد منه أو أقوى منه في دين الله‏.‏

وأما العالم فإنه يتفاخر ويقول‏:‏ أنا متفنن في العلوم ومطلع على الحقائق ورأيت من الشيوخ فلاناً وفلاناً ومن أنت وما فضلك ومن لقيت وما الذي سمعت من الحديث كل ذلك ليصغره ويعظم نفسه‏.‏

وأما مباهاته‏:‏ فهو أنه يجتهد في المناظرة أن يغلب ولا يغلب ويسهر طول الليل والنهار في تحصيل علوم يتجمل بها في المحافل كالمناظرة والجدل وتحسين العبارة وتسجيع الألفاظ وحفظ العلوم الغريبة ليغرب بها على الأقران ويتعظم عليهم ويحفظ الأحاديث ألفاظها وأسانيدها حتى يرد على من أخطأ فيها فيظهر فضله ونقصان أقرانه ويفرح مهما أخطأ واحد منهم ليرد عليه ويسوء إذا أصاب وأحسن خيفة من أن يرى أنه أعظم منه‏.‏

فهذا كله أخلاق الكبر وآثاره التي يثمرها التعزز بالعلم والعمل وأين من يخلو عن جميع ذلك أو عن بعضه فليت شعري من الذي عرف هذه الأخلاق من نفسه وسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر كيف يستعظم نفسه ويتكبر على غيره ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه من أهل النار وإنما العظيم من خلا عن هذا ومن خلا عنه لم يكن فيه تعظم وتكبر والعالم هو الذي فهم أن الله تعالى قال له‏:‏ إن لك عندنا قدراً ما لم تر لنفسك قدراً فإن رأيت لها قدراً فلا قدر لك عندنا‏.‏

ومن لم يعلم هذا من الدين فاسم العالم علي كذب ومن علمه لزمه أن لا يتكبر ولا يرى لنفسه قدراً‏.‏

فهذا هو التكبر بالعلم والعمل‏.‏

الثالث‏:‏ التكبر بالحسب والنسب فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه عملاً وعلماً وقد يتكبر بعضهم فيرى أن الناس له أموال وعبيد ويأنف من مخالطتهم ومجالستهم وثمرته على اللسان التفاخر به فيقول لغيره‏:‏ يا نبطي ويا هندي ويا أرمني من أنت ومن أبوك فأنا فلان ابن فلان وأين لمثلك أن يكلمني أو ينظر إلي ومع مثلي تتكلم وما يجري مجراه‏.‏

وذلك عرق دفين في النفس لا ينفك عنه نسيب وإن كان صالحاً وعاقلاً إلا أنه قد لا يترشح منه ذلك عند اعتدال الأحوال فإن غلبه غضب أطفأ ذلك نور بصيرته وترشح منه كما روي عن أبي ذر أنه قال‏:‏ قاولت رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له‏:‏ يا ابن السوداء‏!‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ يا أبا ذر طف الصاع طف الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل فقال أبو ذر رحمه الله‏:‏ فاضطجعت وقلت للرجل قم فطأ على خدي‏.‏

فانظر كيف نبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى لنفسه فضلاً بكونه ابن بيضاء وأن ذلك خطأ وجهل وانظر كيف تاب وقلع من نفسه شجرة الكبر بأخمص قدم من تكبر عليه إذ عرف أن العز لا يقمعه إلا الذل ومن ذلك ما روي أن رجلين تفاخرا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما للآخر‏:‏ أنا فلان بن فلان فمن أنت لا أم لك فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ افتخر رجلان عند موسى عليه السلام فقال أحدهما أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام قل للذي افتخر بل التسعة من أهل النار وأنت عاشرهم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ليدعن قوم الفخر بآبائهم وقد صاروا فحماً في جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تذرف بآنافها القذر‏.‏

الرابع‏:‏ التفاخر بالجمال وذلك أكثر ما يجري بين النساء ويدعو ذلك إلى التنقص والثلب والغيبة وذكر عيوب الناس ومن ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت‏:‏ دخلت امرأة على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت بيدي هكذا أي أنها قصيرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ قد اغتبتها وهذا منشؤه خفاء الكبر لأنها لو كانت أيضاً قصيرة لما ذكرتها بالقصر فكأنها أعجبت بقامتها واستقصرت المرأة في جنب نفسها فقالت ما قالت‏.‏

الخامس الكبر بالمال وذلك يجري بين الملوك في خزائنهم وبين التجار في بضائعهم وبين الدهاقين في أراضيهم وبين المتجملين في لباسهم وخيولهم ومراكبهم فيستحقر الغني الفقير ويتكبر عليه ويقول له‏:‏ أنت مد ومسكين وأنا لو أرد لاشتريت مثلك واستخدمت من هو فوقك ومن أنت وما معك وأثاث بيتي يساوي أكثر من جميع مالك وأنا أنفق في اليوم ما لا تأكله في سنة وكل ذلك لاستعظامه للغنى واستحقاره للفقر وكل ذلك جهل منه بفضيلة الفقر وآفة الغنى وإليه الإشارة بقوله تعالى ‏"‏ فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً ‏"‏ حتى أجابه فقال ‏"‏ إن ترني أنا أقل منك مالاً وولداً فعسى ربي أن يؤتيني خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً أو يصبحماؤها غوراً فلن تستطيع له طلباً ‏"‏ وكان ذلك منه تكبراً بالمال والولد ثم بين الله عاقبة أمره بقوله ‏"‏ يا ليتني لم أشرك بربي أحداً ‏"‏ ومن ذلك تكبر قارون إذ قال تعالى إخباراً عن تكبره ‏"‏ فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ‏"‏ السادس‏:‏ الكبر بالقوة وشدة البطش والتكبر به على أهل الضعف‏.‏

السابع‏:‏ التكبر بالأتباع والأنصار والتلامذة والغلمان وبالعشيرة والأقارب والبنين ويجري ذلك بين الملوك في المكاثرة بالجنود وبين العلماء في المكاثرة بالمستفيدين‏.‏

وبالجملة فكل ما هو نعمة وأمكن أن يعتقد كمالاً وإن لم يكن في نفسه كمالاً أمكن أن يتكبر به حتى إن المخنث ليتكبر على أقرانه بزيادة معرفته وقدرته في صنعة المخنثين لأنه يرى ذلك كمالاً فيفتخر به وإن لم يكن فعله إلا نكالاً وكذلك الفاسق قد يفتخر بكثرة الشرب وكثرة الفجور بالنسوان والغلمان ويتكبر به لظنه أن ذلك كمالاً وإن كان مخطئاً فيه‏.‏

فهذه مجامع ما يتكبر به العباد بعضهم على بعض فيتكبر من يدلي بشيء منه على من لا يدلي به أو على من يدلي بما هو دونه في اعتقاده‏.‏

وربما كان مثله أو فوقه عند الله تعالى كالعالم الذي يتكبر بعلمه على من هو أعلم منه لظنه أنه هو الأعلم ولحسن اعتقاده في نفسه‏.‏

نسأل الله العون بلطفه ورحمته إنه على كل شيء قدير‏.‏

بيان البواعث على التكبر وأسبابه المهيجة له

اعلم أن الكبر خلق باطن وأما ما يظهر من الأخلاق والأفعال فهي ثمرة ونتيجة وينبغي أن تسمى تكبراً‏.‏

ويخص اسم الكبر بالمعنى الباطن الذي هو استعظام النفس ورؤية قدرها فوق قدر الغير وهذا الباطن له موجب واحد وهو العجب الذي يتعلق بالمتكبر - كما سيأتي معناه - فإنه إذا وأما الكبر الظاهر فأسبابه ثلاثة‏:‏ سبب في المتكبر وسبب في المتكبر عليه وسبب فيما يتعلق بغيرهما‏.‏

أما السبب الذي في المتكبر فهو‏:‏ العجب والذي يتعلق بالمتكبر عليه هو الحقد والحسد‏.‏

والذي يتعلق بغيرهما هو الرياء فتصير الأسباب بهذا الاعتبار أربعة‏:‏ العجب والحقد والحسد والرياء أما العجب فقد ذكرنا أنه يورث الكبر الباطن والكبر يثمر التكبر الظاهر في الأعمال والأقوال والأحوال‏.‏

وأما الحقد فإنه يحمل على التكبر من غير عجب كالذي يتكبر على من يرى أنه مثله أو فوقه ولكن قد غضب عليه بسبب سبق منه فأورثه الغضب حقداً ورسخ في قلبه بغضه فهو لذلك لا تطاوعه نفسه أن يتواضع له وإن كان عنده مستحقاً للتواضع فكم من رذل لا تطاوعه نفسه على التواضع لواحد من الأكابر لحقده عليه أو بعضه له ويحمله ذلك على رد الحق إذا جاء من جهته وعلى الأنفة من قبول نصحه وعلى أن يجتهد في التقدم عليه وإن علم أنه لا يستحق ذلك وعلى أن لا يستحله وإن ظلمه فلا يعتذر إليه وإن جنى عليه ولا يسأله عما هو جاهل به‏.‏

‏"‏ وأما الحسد ‏"‏ فإنه أيضاً يوجب البغض للمحسود وإن لم يكن من جهته إيذاء وسبب يقتضي الغضب والحقد ويدعو الحسد أيضاً إلى جحد الحق حتى يمنع من قبول النصيحة وتعلم العلم فكم من جاهل يشتاق إلى العلم وقد بقي في رذيلة الجهل لاستنكافه أن يستفيد من واحد من أهل بلده أو أقاربه حسداً وبغياً عليه فهو يعرض عنه ويتكبر عليه مع معرفته بأنه يستحق التواضع بفضل علمه ولكن الحسد يبعثه على أن يعامله بأخلاق المتكبرين وإن كان في باطنه ليس يرى نفسه فوقه‏.‏

‏"‏ وأما الرياء ‏"‏ فهو أيضاً يدعو إلى أخلاق المتكبرين حتى إن الرجل ليناظر من يعلم أنه أفضل منه وليس بينه وبينه معرفة ولا محاسدة ولا حقد ولكن يمتنع من قبول لحق منه ولا يتواضع له في الاستفادة خيفة من أن يقول الناس إنه أفض منه فيكون باعثه على التكبر عليه الرياء المجرد ولو خلا معه بنفسه لكان لا يتكبر عليه‏.‏

وأما الذي يتكبر بالعجب أو الحسد أو الحقد فإنه يتكبر أيضاً عند الخلوة به مهما لم يكن معهما ثالث وكذلك قد ينتمي إلى نسب شريف كاذباً وهو يعلم أنه كاذب ثم يتكبر به على من ليس ينتسب إلى ذلك النسب ويترفع عليه في المجالس ويتقدم عليه في الطريق ولا يرضى بمساواته في الكرامة والتوقير وهو عالم باطناً بأنه لا يستحق ذلك ولا كبر في باطنه لمعرفته بأنه كاذب في دعوى النسب ولكن يحمله الرياء على أفعال المتكبرين وكأن اسم المتكبر إنما يطلق في الأكثر على من يفعل هذه الأفعال عن كبر في الباطن صادر عن العجب والنظر إلى الغير بعين الاحتقار

بيان أخلاق المتواضعين ومجامع ما يظهر فيه أثر التواضع والتكبر

اعلم أن التكبر يظهر في شمائل الرجل كصعر في وجهه ونظره شزراً وإطراقه رأسه وجلوسه متربعاً أو متكئاً وفي أقواله حتى في صوته ونغمته وصيغته في الإيراد ويظهر في مشيته وبتختره وقيامه وجلوسه وجركاته وسكناته وفي تعاطيه لأفعاله وفي سائر تقلباته في أحواله وأقواله وأعماله‏.‏

فمن المتكبرين من يجمع ذلك كله ومنهم من يتكبر في بعض ويتواضع في بعض‏.‏

فمنها التكبر بأن يحب قيام الناس له أو بين يديه‏.‏

وقد قال علي كرم الله وجهه‏:‏ من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى رجل قاعد وبين يديه قوم قيام‏.‏

وقال أنس لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك‏.‏

ومنها لا يمشي إلا ومعه غيره يمشي خلفه‏.‏

قال أبو الدرداء‏:‏ لا يزال العبد يزداد من الله بعداً ما مشى خلفه وكان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من عبيده إذ كان لا يتميز عنهم في صورة ظاهرة‏.‏

ومشى قوم خلف الحسن البصري فمنعهم وقال‏:‏ ما يبقى هذا من قلب العبد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات يمشي مع بعض الأصحاب فيأمرهم بالتقدم ويمشي في غمارهم إما لتعليم غيره أو لينفي عن نفسه وساوس الشيطان بالكبر والعجب كما أخرج الثوب الجديد في الصلاة وأبدله بالخليع لأحد هذين المعنيين‏.‏

ومنها لا يزور غيره وإن كان يحصل من زيارته خير لغيره في الدين وهو ضد التواضع‏.‏

روي أن سفيان الثوري قدم الرملة فبعث إليه إبراهيم بن أدهم‏:‏ أن تعال فحدثنا فجاء سفيان فقال له‏:‏ يا أبا إسحاق تبعث إليه بمثل هذا فقال أردت أن أنظر كيف تواضعه ومنها أن يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه إلا أن يجلس بين يديه والتواضع خلافه‏.‏

قال ابن وهب‏:‏ جلست إلى عبد العزيز بن أبي رواد فمس فخذي فخذه فنحيت نفسي عنه فأخذ ثيابي فجرني إلى نفسه وقال لي‏:‏ لم تفعلون بي ما تفعلون بالجبابرة وإني لا أعرف رجلاً منك شراً مني وقال أنس‏:‏ كانت الوليدة من ولائد المدينة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينزع يده منها حتى تذهب به حيث تشاء‏.‏

ومنها أن يتوقى من مجالسة المرضى والمعلولين ويتحاشي عنهم وهو والكبر‏:‏ دخل رجل - وعليه جدري قد تقشر - على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ناس من أصحابه يأكلون فما

جلس إلى حد إلا قام من جنبه فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لا يحبس عن طعامه مجذوماً ولا أبرص ولا مبتلي إلا أقعدهم على مائدته‏.‏

ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلاً في بيته والتواضع خلافه‏:‏ روي أن عمر بن عبد العزيز أتاه ليلة ضيف وكان يكتب فكاد السراج يطفأ فقال الضيف‏:‏ أقوم إلى المصباح فأصلحه فقال‏:‏ ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه قال‏:‏ أفأنبه الغلام فقال‏:‏ هي أول نومة نامها فقام وأخذ البطة وملأ المصباح زيتاً فقال الضيف‏:‏ قمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين فقال‏:‏ ذهبت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر ما نقص مني شيء‏!‏ وخير الناس من كان عند الله متواضعاً‏.‏

ومنها أن لا يأخذ متاعه ويحمله إلى بيته وهو خلاف عادة المتواضعين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك وقال علي كرم الله وجهه‏:‏ لا ينقص الرجل الكامل من كماله ما حمل من شيء إلى عياله وكان أبو عبيدة ابن الجراح وهو أمير يحمل سطلاً له من خشب إلى الحمام‏.‏

وقال ثابت بن أبي مالك‏:‏ رأيت أبا هريرة أقبل من السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان فقال‏:‏ أوسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك‏!‏ وعن الأصبغ بن نبانة قال‏:‏ كأني أنظر إلى عمر رضي الله عنه معلقاً لحماً في يده اليسرى وفي يده اليمنى الدرة يدور في الأسواق حتى دخل رحله‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ رأيت علياً رضي الله عنه قد اشترى لحماً بدرهم فحمله في ومنها اللباس إذ يظهر به التكبر والتواضع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ البذاذة من الإيمان فقال هرون‏:‏ سألت معناً عن البذاذة فقال‏:‏ هو الدون من اللباس‏.‏

وقال زيد بن وهب‏:‏ رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى السوق وبيده الدرة عليه إزار فيه أربع عشرة رقعة بعضها من أدم وعوتب علي كرم الله وجهه في إزار مرقوع فقال‏:‏ يقتدي به المؤمن ويخشع له القلب‏.‏

وقال عيسى عليه السلام‏:‏ جودة الثياب خيلاء في القلب وقال طاوس‏:‏ إني لأغسل ثوبي هذين فأنكر قلبي ما دام نقيين‏.‏

ويروى أنه عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان قبل أن يستخلف تشترى له الحلة بألف دينار فيقول‏:‏ ما أجودها لولا خشونة ما فيها‏:‏ فلما استخلف كان يشترى له الثوب بخمسة دراهم فيقول ما أجوده لولا لينه‏!‏ فقيل له‏:‏ أين لباسك ومراكبك وعطرك يا أمير المؤمنين فقال إن لي نفساً ذواقة وإنها لم تذق من الدنيا طبقة إلا تاقت إلى الطبقة التي فوقها حتى إذا ذاقت الخلافة وهي أرفع الطباق تاقت إلى ما عند الله عز وجل‏.‏

وقال سعيد بن سويد‏:‏ صلى بنا عمر بن عبد العزيز الجمعة ثم جلس وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه فقال له رجل‏:‏ يا أمير المؤمنين إن الله قد أعطاك فلو لبست فنكس رأسه ملياً ثم رفع رأسه فقال‏:‏ إن أفضل القصد عند الجدة وإن أفضل العفو عند القدرة وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من ترك زينة الله وضع ثياباً حسنة وتواضعاً لله وابتغاء لمرضاته كان فإن قلت‏:‏ فقد قال عيسى عليه السلام‏:‏ جودة الثياب خيلاء القلب‏.‏

وقد سئل نبينا صلى الله عليه وسلم عن الجمال في الثياب هل هو من الكبر فقال ‏"‏ لا ولكن من سفه الحق وغمص الناس فكيف طريق الجمع بينهما فاعلم أن الثوب الجديد ليس من ضرورته أن يكون من التكبر في حق كل أحد في كل حال وهو الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم من حال ثابت بن قيس إذ قال‏:‏ إني امرؤ حبب إلي من الجمال ما ترى فعرف أن ميله إلى النظافة وجودة الثياب لا ليتكبر على غيره فإنه ليس من ضرورته أن يكون من الكبر وقد يكون ذلك من الكبر كما أن الرضا بالثوب الدون قد يكون من التواضع‏.‏

وعلامة المتكبر أن يطلب التجمل إذا رآه الناس ولا يبال إذا انفرد بنفسه كيف كان‏.‏

وعلامة طالب الجمال أن يحب الجمال في كل شيء ولو في خلوته وحتى في سنور داره فذلك ليس من التكبر‏.‏

فإذا انقسمت الأحوال نزل قول عيسى عليه السلام على بعض الأحوال

على أن قوله‏:‏ خيلاء القلب يعني قد تورث خيلاء في القلب وقول نبينا صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إنه ليس من الكبر ‏"‏ يعني أن الكبر لا يوجبه ويجوز أن لا يوجبه الكبر ثم هو مورثاً للكبر‏.‏

وبالجملة فالأحوال تختلف في مثل هذا والمحبوب الوسط من اللباس الذي لا يوجب شهرة بالجودة ولا بالرداءة‏.‏

وقد قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير سرف ولا مخيلة‏.‏

‏"‏ إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده وقال بكر بن عبد الله المزني‏:‏ البسوا ثياب الملوك وأميتوا قلوبكم بالخشية وإنما خاطب بهذا قوماً يطلبون التكبر بثياب أهل الصلاح‏.‏

وقد قال عيسى عليه السلام‏:‏ ما لكم تأتوني وعليكم ثياب الرهبان وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري البسوا ثياب الملوك وأميتوا قلوبكم بالخشية‏.‏

ومنها أن يتواضع بالاحتمال إذا سب وأوذي وأخذ حقه فذلك هو الأصل‏.‏

وقد أوردنا ما نقل عن السلف منها احتمال الأذى في كتاب الغضب والحسد‏.‏

وبالجملة فمجامع حسن الأخلاق والتواضع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيه فينبغي أن يقتدى به ومنه ينبغي أن يتعلم‏.‏

وقد قال أبو سلمة‏:‏ قلت لأبي سعيد الخدري ما ترى فيما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب والمطعم فقال‏:‏ يا ابن أخي كل لله واشرب لله والبس لله وكل شيء من ذلك دخله زهو أو مباهاة أو رياء أو سمعة فهو معصية وسرف وعالج في بيتك من الخدمة ما كان يعالج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته كان يعلف الناضح ويعقل البعير ويقم البيت ويحلب الشاة ويخصف النعل ويرقع الثوب ويأكل مع خادمه ويطحن عنه إذا أعيا ويشترى الشيء من السوق ولا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده أو يجعله في طرف ثوبه وينقلب إلى أهله يصافح الغني والفقير والكبير والصغير ويسلم مبتدئاً على كل من استقبله من صغير أو كبير أسود أو أحمر أو عبد من أهل الصلاة ليست له حلة لمدخله وحلة لمخرجه لا يستحي من أن يجيب إذا دعى وإن كان أشعث أغبر ولا يحقر ما دعى إليه وإن لم يجد إلا حشف الدقل لا يرفع غداء لعشاء ولا عشاء لغداء هين المؤنة لين الخلق كريم الطبيعة جميل المعاشرة طليق الوجه بسام من غير ضحك محزون من غير عبوس شديد في غير عنف متواضع في غير مذلة جواد من غير سرف رحيم لكل ذي قرب ومسلم رقيق القلب دائم الإطراق لم يبشم قط من شبع ولا يمد يده من طمع قال أبو سلمة فدخلت على عائشة رضي الله عنها فحدثتها بما قال أبو سعيد في زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ ما أخطأ منه حرفاً ولقد قصر إذ ما أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمتلئ قط شبعاً ولم يبث إلى أحد شكوى وإن كانت الفاقة لأحب إليه من اليسار والغنى وإن كان ليظل جائعاً يلتوي ليلته حتى يصبح فما يمنعه ذلك عن صيام يومه ولو شاء أن يسأل ربه فيؤتى بكنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها من مشارق الأرض ومغاربها لفعل وربما بكيت رحمة له مما أوتي من الجوع فأمسح بطنه بيدي وأقول‏:‏ نفس لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك ويمنعك من الجوع فيقول ‏"‏ يا عائشة إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم وقدموا على ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم فأجدني أستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي دونهم فأصبر أياماً يسير أحب إلي من أن ينقص حظي غداً في الآخرة وما من شيء أحب إلي من اللحوق بإخواني وأخلائي قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ فوالله ما استكمل بعد ذلك جمعة حتى قبضه الله عز وجل‏.‏

فما نقل من أحواله صلى الله عليه وسلم يجمع جملة أخلاق المتواضعين فمن طلب التواضع فليقتد به ومن رأى نفسه فوق محله صلى الله عليه وسلم ولم يرض لنفسه بما رضي هو به فما أشد جهله‏!‏ فلقد كان أعظم خلق الله منصباً في الدنيا والدين فلا عز ولا رفعة إلا في الاقتداء به ولذلك قال عمر رضي الله عنه‏:‏ إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نطلب العز في غيره لما عوتب في بذاذة هيئته عند دخوله الشام‏.‏

وقال أبو الدرداء‏:‏ اعلم أن لله عباداً يقال لهم الأبدال خلف من الأنبياء هم أوتاد الأرض فلما انقضت النبوة أبدل الله مكانهم قوماً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة ولا حسن حلية ولكن بصدق الورع وحسن النية وسلامة الصدر لجميع المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله بصبر من غير تجبن وتواضع في غير مذلة وهم قوم اصطفاهم الله واستخصلهم لنفسه وهم أربعون صديقاً أو ثلاثون رجلاً قلوبهم على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه واعلم يا أخي أنهم لا يلعنون شيئاً ولا يؤذونه ولا يحقرونه ولا يتطاولون عليه ولا يحسدون أحداً ولا يحصرون على الدنيا هم أطيب الناس خيراً وألينهم

عريكة وأسخاهم نفساً علامتهم السخاء وسجيتهم البشاشة وصفتهم السلامة ليسوا اليوم في خشية وغداً في غفلة ولكن مدامين على حالهم الظاهر وهم فيما بينهم وبين ربهم لا تدركهم الرياح العواصف ولا الخيل المجراة قلوبهم تصعد ارتياحاً إلى الله واشتياقاً إليه وقدماً في استباق الخيرات ‏"‏ أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ‏"‏ قال الراوي‏:‏ فقلت‏:‏ يا أبا الدرداء ما سمعت بصفة أشد علي من تلك الصفة وكيف لي أن أبلغها فقال‏:‏ ما بينك وبين أن تكون في أوسعها إلا أن تكون تبغض الدنيا فإنك إذا أبغضت الدنيا أقبلت على حب الآخرة وبقدر حبك للآخرة تزهد في الدنيا وبقدر ذلك تبصر ما ينفعك وإذا علم الله من عبد حسن الطلب أفرغ عليه السداد واكتنفه بالعصمة واعلم يا ابن أخي أن ذلك في كتاب الله تعالى المنزل ‏"‏ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ‏"‏ قال يحيى بن كثير‏:‏ فنظرنا في ذلك فما تلذذ المتلذذون بمثل حب الله وطلب مرضاته‏.‏

اللهم اجعلنا من محبي المحبين لك يا رب العالمين فإنه لا يصلح لحبك إلا من ارتضيته‏.‏

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‏.‏